فخر الدين الرازي

30

تفسير الرازي

اعلم أن المراد ولقد أهلكنا ما حولكم يا كفار مكة من القرى ، وهي قرى عاد وثمود باليمن والشام * ( وصرفنا الآيات ) * بيناها لهم * ( لعلّهم ) * أي لعلّ أهل القرى يرجعون ، فالمراد بالتصريف الأحوال الهائلة التي وجدت قبل الإهلاك . قال الجبائي : قوله * ( لعلّهم يرجعون ) * معناه لكي يرجعوا عن كفرهم ، دل بذلك على أنه تعالى أراد رجوعهم ولم يرد إصرارهم والجواب : أنه فعل ما لو فعله غيره لكان ذلك لأجل الإرادة المذكورة ، وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل للدلائل الدالة على أنه سبحانه مريد لجميع الكائنات . ثم قال تعالى : * ( فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة ) * القربان ما يتقرب به إلى الله تعالى ، أي اتخذوهم شفعاء متقرباً بهم إلى الله حيث قالوا * ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) * ( يونس : 18 ) وقالوا * ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) * ( الزمر : 3 ) وفي إعراب الآية وجوه الأول : قال صاحب " الكشاف " : أحد مفعولي اتخذ الراجع إلى الذين هو محذوف والثاني : آلهة وقرباناً حال ، وقيل عليه إن الفعل المتعدي إلى مفعولين لا يتم إلا بذكرهما لفظاً ، والحال مشعر بتمام الكلام ، ولا شك أن إتيان الحال بين المفعولين على خلاف الأصل الثاني : قال بعضهم * ( قرباناً ) * مفعول ثان قدم على المفعول الأول وهو آلهة ، فقيل عليه إنه يؤدي إلى خلو الكلام عن الراجع إلى الذين والثالث : قال بعض المحققين : يضمر أحد مفعولي اتخذوا وهو الراجع إلى الذين ، ويجعل قرباناً مفعولاً ثانياً ، وآلهة عطف بيان ، إذا عرفت الكلام في الإعراب ، فنقول المقصود أن يقال إن أولئك الذين أهلكهم الله هلا نصرهم الذين عبدوهم ، وزعموا أنهم متقربون بعبادتهم إلى الله ليشفعوا لهم * ( بل ضلوا عنهم ) * أي غابوا عن نصرتهم ، وذلك إشارة إلى أن كون آلهتهم ناصرين لهم أمر ممتنع . ثم قال تعالى : * ( وذلك إفكهم ) * أي وذلك الامتناع أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة ، وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب في إثبات الشركاء له ، قال صاحب " الكشاف " : وقرئ * ( إفكهم ) * والإفك والأفك كالحذر والحذر ، وقرئ * ( وذلك إفكهم ) * بفتح الفاء والكاف ، أي ذلك الاتخاذ الذي هذا أثره وثمرته صرفهم عن الحق ، وقرئ * ( إفكهم ) * على التشديد للمبالغة أفكهم جعلهم آفكين وآفكهم ، أي قولهم الإفك ، أي ذو الإفك كما تقول قول كاذب . ثم قال : * ( وما كانوا يفترون ) * والتقدير وذلك إفكهم وافتراؤهم في إثبات الشركاء لله تعالى ، والله أعلم . قوله تعالى * ( وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ